مجمع البحوث الاسلامية
927
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ الأنبياء : 23 . رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ . اعلم أنّ هذا النّوع الثّالث من دعاء المؤمنين وفيه مسائل : المسألة الأولى والثّانية [ في معنى الطّاقة وصحّة تكليف ما لا يطاق وعدمه . ] المسألة الثّالثة : اعلم أنّه بقي في الآية سؤالات : السّؤال الأوّل : لم قال في الآية الأولى : لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً وقال في هذه الآية : لا تُحَمِّلْنا خصّ ذلك بالحمل وهذا بالتّحميل ؟ الجواب : أنّ الشّاقّ يمكن حمله ، أمّا ما لا يكون مقدورا لا يمكن حمله ، فالحاصل فيما لا يطاق هو التّحميل فقط . أمّا الحمل فغير ممكن ، وأمّا الشّاقّ فالحمل والتّحميل يمكنان فيه ، فلهذا السّبب خصّ الآية الأخيرة بالتّحميل . السّؤال الثّاني : أنّه لمّا طلب أن لا يكلّفه بالفعل الشّاقّ قوله : لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كان من لوازمه أن لا يكلّفه ما لا يطاق ، وعلى هذا التّقدير كان عكس هذا التّرتيب أولى . والجواب الّذي أتخيّله فيه - والعلم عند اللّه تعالى - أنّ للعبد مقامين : أحدهما : قيامه بظاهر الشّريعة ، والثّاني : شروعه في بدء المكاشفات ؛ وذلك هو أن يشتغل بمعرفة اللّه وخدمته وطاعته وشكر نعمته . ففي المقام الأوّل طلب ترك التّشديد ، وفي المقام الثّاني قال : لا تطلب منّي حمدا يليق بجلالك ، ولا شكرا يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإنّ ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ، ولا طاقة لي بذلك ، ولمّا كانت الشّريعة متقدّمة على الحقيقة ، لا جرم كان قوله : وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً مقدّما في الذّكر على قوله : لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ . السّؤال الثّالث : أنّه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع ، بأنّهم قالوا : لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ فما الفائدة في هذه الجمعيّة وقت الدّعاء ؟ والجواب : المقصود منه بيان أنّ قبول الدّعاء عند الاجتماع أكمل ؛ وذلك لأنّ للهمم تأثيرات ، فإذا اجتمعت الأرواح والدّواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل . ( 7 : 156 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 3 : 111 ) أبو السّعود : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ عطف على ما قبله ، واستعفاء عن العقوبات الّتي لا تطاق بعد الاستعفاء عمّا يؤدّي إليه التّفريط فيه ، من التّكاليف الشّاقّة الّتي لا يكاد من كلّفها يخلو عن التّفريط فيها ، كأنّه قيل : لا تكلّفنا تلك التّكاليف ولا تعاقبنا بتفريطنا في المحافظة عليها ؛ فيكون التّعبير عن إنزال العقوبات بالتّحميل ، باعتبار ما يؤدّي إليها . وقيل : هو تكرير للأوّل وتصوير للإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة . وقيل : هو استعفاء عن التّكليف بما لا تفي به الطّاقة